الشيخ عبد الغني النابلسي
47
كتاب الوجود
بالأشياء المعقولة والأشياء المحسوسة ، يتجلى بها لها ، ويستتر عنها كيف شاء وأراد باختباره وإرادته ، وهو على ما هو عليه من إطلاقه الحقيقي بلا تقيد ولا تعين أصلا ، والأشياء كلها المعقولة والمحسوسة على ما هو عليه من عدمها الأصلي مترتبة به أزلا وأبدا ، متقدم بعضها على بعض ، وهي ظاهرة به تعالى ، تارة على حسب ترتيبها الأزلي ، ومستترة به كذلك ، وظهورها واستتارها به هو عين ظهوره واستتاره بها ، ولا يضبط من ذلك الوجود الحق معنى ولا صورة في عقول العارفين وحواسهم « 1 » ، ومتى انضبط عندهم منه معنى في عقولهم أو صورة في حواسهم نفوا ذلك عنه وجردوه مترهين له عن ذلك المعنى وتلك الصورة ، وبقي هو في عقولهم وحواسهم مطلقا بالإطلاق الحقيقي على ما هو عليه ، كما أن آياته تعالى تمثيل منه تعالى ، وتقريب لعبادة ، قال اللّه تعالى : وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ( فصلت : 37 ) ، وقال اللّه تعالى : وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً ( الإسراء : 12 ) « 2 » . وذلك نظير ظهوره تعالى وتجليه للعقل والحس ، واستتاره عن العقل والحس ، كما
--> ( 1 ) استكمالا لما تقدم : ورفع المأمون راية الانحراف الوثنية بجوار راية الهداية المعصومة ، وعارض المؤمنون واحتجوا ، وبينوا أن الوثنية - ولو وافقت الدين - فهي وثنية . ولكن النهج الوثني أخذ يقوى شيئا فشيئا ، ثم طلب التصريح بالإقامة واستوطن ، ومعاذ اللّه أن تكون عقائد الإسلام الكبرى - الإيمان باللّه وبالرسالة وبالبعث - قد تلوثت بالوثنية ، كلا ، ولكن النهج والترعة والاتجاه في البحث ، وليس ذلك بالأمر الهين . [ المرجع السابق ( 55 ) ] . ( 2 ) قال ابن جريج عن عبد اللّه بن كثير في قوله : فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً ، قال : ظلمة الليل وسدف النهار ، وعن مجاهد : الشمس آية النهار والقمر آية الليل ، قال : السواد الذي في القمر ، وكذلك خلقه اللّه تعالى ، وعن قتادة : كنا نحدث أن محو آية الليل سواد القمر الذي فيه ، وجعلنا آية النهار مبصرة أي منيرة ، وخلق الشمس أنور من القمر وأعظم ، وقال ابن أبي نجيح عن ابن عباس : وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ ، قال : ليلا ونهارا ، كذلك خلقهما اللّه عزّ وجلّ . [ تفسير ابن كثير ( 3 / 27 ) ] .